خمسة أعوام مروا على اشتعال الثورة المصرية التي عصفت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وحزبه الذي هيمن على كل شبرٍ في البلاد لعقودٍ طويلةٍ، دون رقيبِ أو حسيب، ذلك الحزب الذي حُرق غضباً من الشعب، في الـ28 من يناير عام 2011م.
واليوم وعقب خمسة أعوام على حرق مقر الحزب الوطني “المنحل” وانهيار حكم مبارك أمام أعين الجموع، وعقب التغييرات الجذرية التي شهدتها الثورة من خيبات وانتصارات وآلام وآمال نتساءل لأي مدى استوعب الحكام الذين تلوا مبارك الدرس؟
في هذا التقرير “بوابة يناير” ترصد أبرز التغييرات التي طرأت على مؤسسات الدولة على مدار فترة ثلاثة رؤساء ومجلس عسكري تولوا سُدة الحكم في مصر، وكيف تعاملوا مع التظاهرات، وملف الحقوق والحريات، التي ظنّ المصريون أنهم ظفروا بها عقب الثورة.
“المجلس العسكري”
عقب تخلي مبارك عن السلطة في الـ11 من فبراير، وتولي المجلس العسكري، بقيادة المشير السابق حسين طنطاوي، شئون البلاد، جدد الثقة في حكومة الفريق أحمد شفيق، التي قام بتعيينها مبارك، نهاية شهر يناير، ليقدم استقالته مطلع شهر مارس من نفس العام، وذلك عقب الجدل الذي أُثير حوله كونه أحد أفراد نظام الرئيس الأسبق، لاسيما عقب سخريته من المتظاهرين المستمرين في ميدان “التحرير”، قائلاً :” هننزل نوزع على المتظاهرين بونبوني في التحرير علشان يمشوا”.
تلك كانت البداية في طريقة تعامل الحكومات والأنظمة التي أعاقبت مبارك، مع التظاهرات والاعتصامات التي من المُفترض أن يكفُلها الدستور، ليتولى الدكتور عصام شرف رئاسة الحكومة، بناءً على طلب الميدان.
ونتج عن قيام المجلس بتكرار أخطاء مبارك ونظامه، من قتل وقمع المتظاهرين وسجنهم، اشتعال التظاهرات مرة أخرى، منددين بالمجلس الذي كان في نظر البعض آنذاك “حامي الثورة”، ليتحول هذا الشعار بين ليلة وضحاها إلى أضحوكة يتندر الثوار بها فيما بينهم.
وشهدت فترة تولي المجلس العسكري شئون البلاد، العديد من الأحداث الدموية التي أودت بحياة العشرات من الشباب، وأخرهم كانت أحداث “مجلس الوزراء” التي أدت إلى استقالة شرف من الحكومة، ليتولى الدكتور كمال الجنزوري المهام.
لم يستوعب المشير السابق الدرس جيداً، ما أدى إلى رغبته في تسلم السلطة سريعاً إلى الرئيس الذي انتخبه المصريون، وهو المعزول محمد مرسى، وذلك عقب انتشار الغضب داخل نفوس جميع المصريين الذين أصبحوا ساخطين على المجلس وجميع أعضائه، بل وطالبوا بمحاسبتهم على الجرائم التي اُرتكبت إبّان عهدهم.
“محمد مرسي”
لم تختلف طريقة حكم الدكتور محمد مرسي، عن طريقة تعاملهم مع ما يحدث في مصر إبّان الفترة الانتقالية التي تالة الثورة، بل وأكثر ما زادت الأمور تواتراً هو تكرار الجماعة وذراعها السياسي متمثلاً في حزب “الحرية والعدالة” نفس سيناريو مبارك وحزبه، حيث كانوا يريدون السيطرة على جميع مقاليد الحكم في البلاد، بالإضافة إلى انتهاجهم نفس أسلوب التشويه لكل من يعارض حكمهم، حتى وصل بهم الأمر إلى اتهام المتظاهرين الذين قرروا أن يتظاهر في ذكرى ثورة يناير بأنهم “مخربين”، مثلما أتهمهم من قبل أنصار الحزب الوطني، وأنصار المجلس العسكري، وهو ما ترتب عليه أن قام مجهولون بحرق مقرات حزبهم في عدة محافظات، وذلك في الـ28 من يناير عام 2013م، وهو نفس اليوم الذ حُرق فيها مقرات الحزب الوطني، لتثبت الجماعة لكل من فرض فيهم حسن النية أنهم لا يختلفون كثيراً عن نظام الرئيس الأسبق، ليتكبلوا بنفس النتائج التي أصابت مبارك ونظامه.
“عدلي منصور”
تولي المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، سُدة الحكم عقب عزل مرسي، إثر تظاهرات حافلة في أحداث (30يونيو)، حيث شهدت هذه الفترة العديد من المذابح والمجازر التي لم يشهد مثلها التاريخ الحديث، بدءً من فض اعتصامي “رابعة العدوية والنهضة”، مروراً بمذبحة “عربية الترحيلات” التي راح ضحيتها أكثر من (30) مواطناً، انتهاءً بقتل وجمع وسجن جميع المواطنين خاصة طلاب الجامعات.
ما ميز منصور، أنها طيلة فترة حكمه لم يكُن يدلي بأي تصريحات، وهو ما جعله بعيداً عن الجدل، ولكن كانت أفعال نظامه أقوي من أي حديث يُقال، فلم يكُن هناك داعي للكلام بعد كل مجزرة يرتكبها نظامه وداخليته، لاسيما وأن المشير عبدالفتاح السيسي، وقتها كان متصدراً للمشهد، وهو ما جعل الكثيرين يعتقدون بأن السيسي هو من يحكم وليس رئيس المحكمة الدستورية العليا.
وبالرغم من قصر فترة تولي منصور سُدة الحكم، إلاّ أن المجازر التي اُرتكبت في عهده كثيرة يصعب حصر نتائجها، وما هو ما جعل البعض يرفعون بعض الدعوى الفضائية في المحكمة الجنائية الدولية، ظناً منهم أنه من الممكن أن يأتي يوماً ويُمثل ريس المحكمة الدستورية العليا أمام القضاء، مُحاسبةً له عما اُرتكب من جرائم في عهده، لم لا وقد وقف مبارك في القف مُداناً في قفص الاتهام، بل وتم ادانته رسمياً مؤخراً في قضية “قصور الرئاسة”.
“السيسي”
استكمل الرئيس عبد الفتاح السيسي، مسيرة منصور، فلم تتوقف الاعتقالات والتصفية والقمع في عهده، بل أكثر ما ميز حكمه عن الباقية هو “الاختفاء القسري” تلك الظاهرة التي باتت منتشرةً في مصر لاسيما منذ تولي اللواء مجدي عبد الغفار، منصب وزير الداخلية.
وكانت منظمة العفو الدولية، أصدرت بياناَ منتصف شهر يوليو الماضي، مُشيرة إلى أن عدد المعتقلين الذين يقبعون داخل السجون المصرية تعدوا الـ41 ألف معتقل، معظم من طلاب الجامعات. كما تشهد فترة حكم السيسي، تدني واضحاً في الأحوال الاقتصادية، وذلك بالرغم من المشروعات الكثيرة التي يُروج لها يومياً من قِبل النظام وأبرزهم “تفريعة قناة السويس، والعاصمة الجديد.
تمر السنون ويتعاقب الرؤساء والحكومات علي البلاد منذ الثورة وحتى الآن، ولم يستوعب أحداً الدرس حتى الآن، وحتى على سبيل عدم تكرار مشهد حرق مقرات الحزب الوطني أمام الجميع، ذلك المشهد الذي كان من المُفترض أن يستوعبه حكام مصر السابقين والقادمين، ويدركوا أن الشعب كان على إزالة أيّ حكم مهما سيطر وقمع وقتل، وعقب كل هذه التغييرات لنا أن نتساءل لمن المُلك اليوم؟
المصدر
