قيادات حركة الاحتجاج في مصر فاجأوا أنفسهم قبل خمس سنوات، عندما نجحوا في الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، الذي كان في السلطة قبل أن يُولد بعضهم.
في تلك الأيام لم يكن غريباً أن تسمع تعبيراً مثل (فجر جديد للسياسة المصرية والعالم العربي)، ولكن يصعب اليوم أن تجد أحداً من أولئك القادة يتحدث بالتفاؤل ذاته، ويشاركهم الأكاديميون والدوائر الإعلامية والسياسية خيبة الأمل.
الشباب المصري الساخط ثاروا ضد نظام فارغ، وطالبوا بحكومة ديمقراطية، ومجتمع أكثر حرية وحقوق اقتصادية، فكسبوا المعركة وخسروا الحرب؛ لأن الجيش كان مع جماعة الإخوان المسلمين منذ البداية، وبعدها سيطر، وهزم الثوار”.
هناك رواية أخرى لما حدث عام 2011، هذه الرواية لا علاقة لها بخيبة الأمل أو التشاؤم، فمن وجهة نظر المؤسسات الأمنية المصرية، الجيش والشرطة والمخابرات، فإن الثورة لم تهدد بإسقاط الرئيس فحسب، بل الإطاحة بالنظام السياسي والاجتماعي برمته، ومنع حصول هذا كان مهمة صعبة للقوات المسلحة.
وفي يناير 2011، دعم المجلس العسكري بعض مطالب المتظاهرين، فمثلاً كان المجلس ضد توريث حسني مبارك الرئاسة لابنه جمال، كما كان هناك عدم رضا عن تنامي سلطات وزارة الداخلية في النظام السياسي؛ ولذلك بعد أن بدأت المظاهرات ضغط المجلس على الرئيس لإقالة ابنه، بالإضافة إلي عدد من المقربين منه، من مناصبهم في الحزب الحاكم “الوطني الديمقراطي”، كما تم إعفاء وزير الداخلية القوي وحليف مبارك من منصبه أيضاً. وأخيراً عندما استجمعت الثورة زخماً، قام المجلس العسكري بخلع مبارك، الذي كان أحد جنرالات القوات الجوية، وحكم البلاد لثلاثة عقود.
الجيش المصري يري نفسه تاريخياً على أنه الحامي للشعب: أي أنه اعتقد بأن لديه الحق والواجب بأن يتخلص من الشخصيات الحكومية التي فقدت شرعيتها. وبالرغم من العلاقات الطويلة بين المجلس والرئيس والنظام الدستوري، إلا أنه شعر بمسؤولية أعظم، وهي حماية المصالح الوطنية الرئيسة، بما في ذلك إيقاف موجة إضرابات العمال، التي وصلت إلى منشآت تديرها المؤسسة العسكرية، وهددت بشلل في الاقتصاد، وكذلك فرض سطوة القانون في وجه الجريمة التي انتشرت بشكل ملحوظ، والدفاع عن اقتصاد البلد، خاصة بعد التراجع الكبير في السياحة والاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى منع وقوع حرب أهلية، كتلك التي حصلت في ليبيا وسوريا.
الجنرالات المصريين يدركون أن نصف المصريين، البالغ عددهم 90 مليون نسمة، يعيش قرب خط الفقر. والأكثر من هذا، شعورهم بأن هناك خططاً أجنبية لزعزعة الاستقرار في مصر والشرق الأوسط، وهم يشكلون خط الدفاع الأخير.
ما ساعد في قرار المجلس العسكري حقيقة هو أن الجيش كان قريباً من السياسة منذ انقلاب عام 1952 ضد الملك، وشارك الجيش في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في الحكم مع الرئاسة والنظام، ولكن هزيمة 1967 اضطرت الجنرالات إلى أخذ خطوة للخلف من التدخل اليومي في الإدارة، ولكنها أيضا أعفتهم من المسؤولية لمعظم مشكلات مصر، وسمحت لهم بالحفاظ على استقلالية عن المدنيين، وكان هذا حلاً وسطاً أراح الحكام من الخوف من انقلابات عسكرية محتملة، وكذلك للجيش، حيث يركز الجنرالات على شراء الأسلحة وخطوط إمداد الاقتصاد، بينما يتركون للرئيس، الذي هو من الجيش، الحكم والسياسة. ولكن عام 2011 أثبت أن حسني مبارك لا يمكن الاعتماد عليه، فقام الجيش بعزله.
المجلس العسكري قام بلعب دور الوصي، حيث تحَكم في البلاد من خلال المراسيم والإعلانات الدستورية من جهة، مع الحفاظ على حكومة مدنية تتمتع باستقلالية ذاتية في الصحة والتعليم والبنية التحتية. والأكثر طموحاً هو أن المجلس سعى إلى إجراء انتخابات حرة والسماح للأحزاب الإسلامية بالمشاركة، ويبدو أن الفكرة كانت هي خلق نظام (استبدادي تنافسي)*.
ووصف مؤلفي بحث الاستبداد التنافسي، الذي نٌشر في مجلة (Journal of Democracy)، ستيفن ليفتسكي ولوكان واي، (الاستبداد التنافسي) بأنه تعددية دون ديمقراطية. وكان الأمل بالنسبة لجنرالات مصر أن يولد (الاستبداد التنافسي) برلماناً معلقاً ضعيفاً ورئيساً من خلفية عسكرية واستقلالية مؤسسية للمجلس العسكري، فلو نجح هذا المجهود لأعاد الجيش بسط سلطته، ولكن كونه وصياً على نظام شبه ديمقراطي مستقر داخلياً ومقبول دولياً.
الجنرالات لم يتمكنوا من السيطرة على النتائج، وفشلت استراتيجيتهم، فقد أنتجت الانتخابات البرلمانية عام 2011-2012 برلماناً بأغلبية إسلامية، حيث حصل حزب الحرية والعدالة المنبثق عن الإخوان المسلمين على نصيب الأسد، وتبعهم السلفيون الأكثر تطرفاً. وتبخرت الآمال بأن يكون الرئيس عسكرياً، عندما فاز مرشح الإخوان الثاني محمد مرسي على الجنرال المتقاعد أحمد شفيق. وقام مرسي بسحب السطلة التشريعية من المجلس العسكري، ثم عين مدير المخابرات العسكرية عبدالفتاح السيسي وزيراً للدفاع بدلاً من المشير طنطاوي.
وبخلاف الحديث عن التعاون بين الإخوان والمجلس العسكري، فإن الوقائع تشير إلى أن الإخوان المسلمين أطلقوا حملة “تدجين” فاشلة للجنرالات. ومع أن التنافس في العام 2012 لم يكن واضحاً (وتصرف الإخوان المسلمون وكأن عندهم متسع من الوقت)، إلا أن الجنرالات كانوا يستعدون لتأكيد صدارتهم.
المجلس العسكري كان يقاوم كل خطوة، فعندما تبين أن البرلمان صعب السيطرة عليه، حكمت المحكمة الدستورية العليا بحله، وتأكد المجلس العسكري من تثبيت قرار المحكمة. وعندما تبين أن مرسي سيكون الرئيس القادم، قام المجلس العسكري بإصدار إعلان دستوري يحد من سلطات الرئيس، ويزيد من سلطات المجلس العسكري، وأخيراً عندما بدا واضحاً أن الإخوان المسلمين سيسعون إلى فرض سيطرة مدنية على القوات المسلحة، قامت الأجهزة الأمنية بتشجيع المظاهرات، وأطيح بالرئيس.
فشل الجيش في السيطرة التامة علي الساية في مصر بعد الثورة، بالإضافة إلى سذاجة الإخوان السياسية الصارخة، أديا إلى أن يسعى الجيش إلى تسلم الحكم، وفي يوليو 2013، قام السيسي بالانقلاب على مرسي، بناء على أن الوضع الاقتصادي كان سيئاً (فلم يكن احتياطي العملات الصعبة يكفي لأكثر من ثلاثة أشهر من الواردات)، وحالة الاستقطاب الشديدة، التي أدت إلى اقتتال في الشوارع بين مؤيدي الرئيس ومعارضيه، وسيناء تعاني من الهجمات الإرهابية، والدول المجاورة تنهار، فكان الخيار الوحيد للجيش هو التدخل لإنقاذ البلاد من الانهيار الكارثي بفرض النظام مهما كلف الأمر.
من السهل وصف النظام السياسي المصري بأنه إعادة لحكم الفرد الواحد الذي كان في عهد مبارك، ولكن هذا الوصف لا يكفي، فالقمع الآن على نطاق أوسع، ومن هذه الناحية قد يكون التشبيه أقرب إلى فترة حكم جمال عبدالناصر، الذي حكم ال1956 وحتى ال1970، فتحت النظام الناصري كان هناك حزب واحد مرخص، وقُمع الإخوان بشدة، ولم يسمح لأي لون من المعارضة، وتم تأميم الصحف وكانت تحت سيطرة الدولة، وتم تدجين النقابات، وتسلم ضباط الجيش مناصب في مختلف المواقع الرئيسة في الدولة، وكان هناك تشجيع للنشاطات السياسية في فترة عبدالناصر ما دامت تدعم النظام. والنظام المصري اليوم يقوم على أسس مشابهة من القمع بأيدي الجيش الذي يحكم.
السيسي ليس رئيساً على إعادة لتشكيل نظام ناصري، فليس هناك حزب سياسي واحد يدفع الناس لتأييده، وليس هناك مسيرات ضخمة لحشد التأييد للنظام، وإن كان النظام دعا إلى خروج الناس إلى الشارع عام 2013 عندما كان يواجه الإسلاميين، ولكنه بعد ذلك طلب من الناس العودة إلى أعمالهم، وليست هناك عقيدة، كما كانت أيام عبد الناصر، ولكن مجرد “قومية باهتة” تدعو الناس إلى تأييد قياداتهم دون إعطائهم أي فكرة عن الاتجاه الذي تريد تلك القيادات قيادة المجتمع فيه.
وبهذا يمكن تشبيه النظام المصري اليوم بالأنظمة الاستبدادية، التي وجدت في جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية في منتصف القرن العشرين، أكثر من نسبه للقومية الحماسية لعبد الناصر. فالسياسة هنا لا تتواجد إلا بمساحة صغيرة، وفي حدود ضيقة. أما أهم القرارات فيجب أن تترك لمؤسسات الدولة المتخصصة، التي لا تخضع للمساءلة. ومن وجهة نظر الجيش، لم تواجه مصر مصير سوريا أو ليبيا، وهذا بحد ذاته إنجاز يستحق المديح، وعلى السياسة أن تنتظر.
*الاستبداد التنافسي: يتعلق بفكرة الاستبداد في القرار، مع وجود فاعلين آخرين. أو مجموعة من الأنظمة تتنافس علي الاستبداد. (توضيح المترجم).
المصدر
