عامان ونصف مرّا على تلبية ملايين الجماهير لنداء وزير الدفاع -حينئذٍ- الفريق “عبدالفتاح السيسى” لتفويضه لمحاربة الأرهاب المحتمل وقوعه، واكتظت الشوارع فى يوم ٢٦ أغسطس ٢٠١٣ بالملايين التى سكن قلوبها الرعب من كلمة الأرهاب هاتفين للزعيم المزعوم لتخليصهم من ويلات الجحيم المحتمل.
عامان ونصف وضعت فيهم مصر على أبوابها لافتةً مكتوبٌ عليها “مصر تحارب الإرهاب”، بل وتطالب العالم أجمع بمشاركتها حربها الضروس التى يخوضها نظامٌ ويدفع ثمنها شعبٌ بأكمله، والنتيجة يعبر عنها الفنان الكوميدى “محمد هنيدى” فى فيلمه “رمضان مبروك أبو العلمين حمودة” قائلاً بصوته الحانق المميز “صففففر”، فمنذ يوم التفويض الذى إحتشدت فيه الجماهير فى الشوارع والتفجيرات لا تتوقف، والعمليات الأرهابية لا تغيب، والإغتيالات مستمرة.
التفجيرات وصلت حتى مديريات الأمن معقل الداخلية، فمن تفجيرٍ ضخمٍ فى مديرية أمن الدقهلية، إلى وصول سيارةٍ محملةٍ بالمتفجرات إلى قلب مديرية أمن العاصمة وإنفجارها طريقٌ من الفشل فى ما يسمى بالحرب على الإرهاب، فشلٌ من المفروض أن يجعل النظام يتوارى خجلاً، إلا أنه كل يومٍ يستغله مبرراً للقمع وكبت الحريات بحجة حرب الإرهاب.
لم تكتفِ التفجيرات بأعتى مقرات رجال الأمن، بل وصلت إلى كبار رجال الأمن أنفسهم، حيث تعرض موكب وزير الداخلية السابق “محمد إبراهيم” للتفجير فى محاولةٍ لإغتياله، كرسالةٍ واضحةٍ أن الحرب على الأرهاب ما هى إلا جملةٌ تضعها القنوات الفضائية الموالية للنظام أعلى شاشاتها لبث مزيدٍ من الرعب والخوف يستغله النظام كشرعيةٍ للحكم، وأن الإرهاب يفعل ما يشاء أينما شاء وقتما شاء لمن شاء.
شخصيةٌ أخرى إستهدفتها التفجيرات وأصابتها، شخصيةٌ تتولى واحداً من أكثر المناصب أهميةً وخطورةً وحساسيةً بالدولة، النائب العام السابق “هشام بركات” الذى توفى إثر تفجيرٍ إستهدف موكبه، فى رسالةٍ أخرى أن الدولة تحارب طواحين الهواء فى صحراء سيناء.
وحتى تشعر القنوات الفضائية بحرب الإرهاب التى تعلق لافتتها، استهدف تفجيرٌ آخر مدينة الإنتاج الإعلامى أدى لأنقطاع البث وتسويد شاشات معظم الفضائيات لمدةٍ مؤقتة، وكأن الإرهاب يُخرج لسانه للدولة بأذرعها، فالداخلية والقضاء والإعلام أصابتهم نيرانه.
أما عن سيناء فحدث ولا حرج، يخبرنا الجيش يومياً أنه أسقط عشرات الإرهابيين واقتحم أوكارهم وبسط نفوذه على الأراضى التى يحتلونها، ولا نرى إلا توابيت ملفوفةً بأعلام مصر عائدةً من حيث المجهول وبداخلها جثث أبنائنا جنود الجيش الذين رمتهم الدولة فى غياهب صحراء لا يعلم أحدٌ ما بداخلها، لن نتحدث عن مئات الجنود الذين فقدناهم وعادوا إلى أهاليهم فى توابيت هى أهم عند الدولة ممن بداخلها، لأن الجُرح ما زال مفتوحاً، وقوس الشهداء ما زال أيضاً مفتوحاً.
لم تتوقف التفجيرات على المصريين فقط، بل صوّبت نيرانها نحو السياح أيضاً، ففى أكتوبر الماضى سقطت طائرةٌ روسيةٌ فى شرم الشيخ راح ضحيتها ٢٢٤ سائحاً روسياً، وأثبتت التحقيقات أنها سقطت بسبب قنبلةٍ أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن زرعها داخل الطائرة، ونقل العالم أجمع صوراً لضباط أمن مطار شرم الشيح وهم يتلقون الرشاوى لتمرير الحقائب دون تفتيش، وصوراً أخرى وهم يلعبون “ڤيديو جيمز” بينما يمر من يمر، فعن أى حربٍ يتحدثون؟!
تستمر الإنفجارات رغم الحديث المستمر من الدولة عن الحرب على الإرهاب، ويستمر النظام فى إستغلالها ذريعةً للممارسات الديكتاتورية والقمعية وكبت الحريات، ويستمر مؤيدو الدولة وأجهزتها فى تحميل أى تفجيرٍ او إرهابٍ لجماعة الإخوان المسلمين وإستخدامها كفزاعة، ويستمر معارضو النظام فى إتهامه بتدبير التفجيرات لتبرير سيطرته بالحديد والدم على البلاد، ويستمر الشعب فى دفع فاتورة كل ما سبق.
المصدر
