![]() |
| عمرو خليفة يكتب : السيسي و عصابة الأيدي المرتعشة Sisi |
يأتى مقتل ريجينى واجتماع نقابة الأطباء لرفض انتهاكات وزارة الداخلية فى منعطف حرج فى حكم مصر. تبوح هذه الأحداث بتفاصيل نظام وحاكم ودولة عميقة كمزيج قابل للاشتعال من السذاجة والعجرفة وانعدام الإحساس بالعمق الاستراتيجى .تضمن هذه المواجهات خسارة شبه محققة لرجل فى أمس الحاجة إلى الفوز.
باستباحة كل المحرمات، يكتب نظام السيسي نعيه السياسى بثبات مذهل. عادة ما تهمش الغطرسة المنطق، و هكذا يولد الإفلات من العقاب، و بشكل أدق هذا هو سبب تأرجح قوات الأمن المصرية على حافة الخطوط الحمراء باستمرار. تواصل دولة السيسي تشديد الخناق حول عنقها سواء عن طريق الأحكام القضائية التى تنزل عقوبة السجن مدى الحياة أو عقوبة الإعدام على المئات وإزهاق الأرواح. ومع ذلك، فقد ظل النظام قائما لما يقرب من ٣٠ شهراً، معطياً انطباعاً كاذباً أن السيسي لا يمكن المساس به.
إلا أن الدعم الشعبي ليس سوى سراب عند محاولة السيطرة على الخطاب العام من خلال وسائل الإعلام المختلفة . ليس هناك هروب من الواقع السياسي فكل عثرة تضعف القبضة على السلطة. هذا الأسبوع كان هناك عثرتان بشعتان. كلف أول سوء تقدير حياة ثمينة. شاب بارع من خريجى جامعة كامبريدج، جاء لاستكمال رحلته فى دولة أزعجها اهتمامه الفكري فى وقت خطير ودفع حياته ثمناً. الاهتمام بالحركة العمالية لوطن ما لا ينبغى أن يكلف الإنسان حياته تحت أى ظرف. ولكن في دولة يحركها فكر المؤامرة، وخاصة على المستوى الأمني، هذه الطريقة غير المنطقية غالباً قد كلفت ريجيني حياته.
كانت الأجهزة الأمنية التى ألقت القبض على ريجيني قد أكدت للنيويورك تايمز ومصادر أخرى موثوقة أنهم لم يعتقدوا أن ريجيني مجرد طالب دراسات عليا. فى مخيلتهم “ظنوه جاسوساً ” كما أوضح مسؤول أمني مصري لصحيفة نيويورك تايمز “و بعدين مين اللى بيجى مصر عشان يدرس النقابات”. لكن وزارة الداخلية والتى عادت بشراسة منذ أن علمها الشعب درساً أثناء ثورة يناير لم تهتم. ليس هناك كبح للجماح لأن موظفيها يدركون حاجة السيسي الماسة للعضلات الآن أكثر من أي وقت مضى. لم يكن إيقاف الشرطة لجوليو عرضياً. كان متتبعاً منذ ديسمبر بأقل تقدير عندما التقطت له صوراً بينما كان يحضر “تجمع نقابات مستقلة” من قبل رجل مجهول.
في 25 يناير يختفي ريجيني بعد أن يتم إيقافه من قبل رجلين بملابس مدنية، ويفتشون حقيبته والهاتف وجواز السفر. ما دفع لاعتقاله كانت جهات الاتصال الهاتفية الخاصة به والتي تشمل “أشخاص مرتبطين بالإخوان المسلمين و اليساريين ٦ أبريل”. بالنسبة للعقل الأمنى، هذه المجموعات ما هي إلا إرهابيين والاختلاط بها يضعك على قدم المساواة بالإرهابي. تشير صحيفة نيويورك تايمز وكذلك المصادر التي تحدثت لهذا الكاتب، إلى أن الثقة التي أجاب بها ريجيني، لأذهان الأمن المتغطرس الذى اعتاد على السيطرة ختمت مصيره. أتسائل ماذا كانوا يتوقعون، أن يرحب بهم ريجيني بعناق و هم يخطفونه و يقتلونه.
بعد أيام، ظهرت جثة جوليو بعد ضغوط من السفارة الإيطالية و كانت هناك علامات على “كسور ب٧ أضلع … الصعق بالكهرباء على العضو الذكرى … جروح بآلة حادة (على الأرجح بشفرة الحلاقة كما أكدت مصادر متعددة) و إصابات في أنحاء متفرقة من جسده، سحجات وكدمات … من الركل واللكم”. لا يحتاج المصرى، مؤيدا كان للسيسي أم لا، أن يقال له أن هذه هى السمات المميزة للتعذيب من قبل الشرطة/أمن الدولة. ما حدث لجوليو حدث لعدد لا يحصى من المصريين بدرجات لا تقل مأساوية. لكن ريجيني كان أجنبياً، وذاك خط أحمر محرم على أمن الدولة أن يمسوه. الضغط الإيطالى يعكس ضوءاً محرِجاً على وحشية الأمن المصري والنفاق الإيطالي. عندما حضر رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رينزي مؤتمرا اقتصادياً مهماً يهدف إلى تنشيط رئاسة السيسي، فمن دون شك أنه كان يدرك جيداً صرامة نظيره من بطاقة الدعوة. ولكن حيث تتعالى احتياجات الدولة تسقط حقوق الأفراد خصوصاً وإن كانوا مصريين. لكن مع كون الضحية إيطالياً، فقد تغيرت لهجة رينزى بشكل طبيعي، فقد قال يوم الجمعة: “صداقة إيطاليا مع مصر سوف تستمر فقط إذا ظهرت الحقيقة عن حادثة القتل الحيوانية.”
حقاً إن إضافة المحققين الإيطاليين المستقلين على أرض مصر ستكشف حقائق كم تتمنى الدولة المصرية أن تتبخر. قوات الأمن على الصعيد المحلي أيضاً تضْر نظام السيسي. قبل أسابيع، قام عدد من ضباط الشرطة باقتحام مستشفى في المطرية، إحدى ضواحي القاهرة، مطالبين الأطباء بعمل غرز جراحية لشرطي حالته لا تتطلب ذلك ، ووفقاً للعاملين فى المستشفى فقد تطور الموقف بسرعة و خرج عن السيطرة كما قال الأطباء. زُعم أن إثنين من الأطباء قد تم التعدى عليهم. و في بيئة قمعية للغاية، تدفق الآلاف من الأطباء في شوارع وسط القاهرة للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية لنقابة الأطباء. أن يجتمع هذا الجمع يظهر قليلا من كثير وقد يؤدى لنهاية المشروع الوهمى للسيسي.
وفقاً لمعظم الحسابات، فاقت انتهاكات الشرطة نظيرتها فى عهد مبارك. وقد أصابت الشرطة حالة من فقدان الذاكرة المتعمدة: كانت انتهاكات الشرطة واحدة من الأسباب الرئيسية للثورة المصرية . إذاً ليس من قبيل الصدفة أن يكون المسؤول عن الفشل الذريع فى المستشفى هو نفس قسم الشرطة المسؤول عن قتل ١٤ مصرياً منذ حوالى عامين. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ( EIPR ) أرجحت أن الدعم الذي تلقاه الأطباء “انعكاس لمستوى سوء استخدام الشرطة للسلطة”
. بدلاً من الإنحناء لرياح الغضب من اتحاد قوي، تستمر الحكومة في تلعثمها. فى الأيام التي سبقت اجتماع النقابة كان قد ألقي القبض على العديد من الضباط من مركز شرطة المطرية ولكن بعد 36 ساعة أُفرِجَ عنهم بضمان عملهم. في دولة شهدت اعتقال الآلاف لأسباب أقل بكثير واعتقلت العديد وراء القضبان منذ ما يقرب من ٣٦ شهراً، سبب طلاق سراح هؤلاء الضباط غضباً عارماً. وكانت النتيجة تدفق الآلاف للشارع، مزعزعين استقرار نظام ينزف من دعمه الشعبى. أى توجد دروس مستفادة من 25 يناير؟ لا على ما يبدو . لا يزال النظام يعمل بعقلية عام 1960، عندما كان وزن أجهزة الكمبيوتر بوزن السيارة، مقللاً بشكل مستمرمن قوة وسائل الإعلام الاجتماعية للحشد. وقد قامت مجموعة من المهنيين المنظَمين سياسياً بإحراج حكومة أقل وعياً بمحركات المسرح السياسي حتى الآن في عام ٢٠١٦. في نهاية المطاف، فإن الأسبوع القادم يتطلب ما لم يظهره السيسي بعد: يد ثابتة ولكن عادلة. بإمكان السيسي أن يذعن للقانون ومطالب الأطباء لمعاقبة المذنبين.
لو عاقب المذنبين قد يبدو متراجعاً، أما لو بقى عنيداً قد يواجه خطر إضراب وطني جزئي من قبل الأطباء وتلك خسارة من الجانبين. يراهن السيسي ضد التيار أن بذور الخوف المزروعة ستدفع فاتورة اليوم الباهظة. سيتعلم: القمار والسياسة لا يختلطان جيداً. قبل نحو ثلاث سنوات من ثورة عام 2011، واجهت النقابات العمالية الأمن المصري فى المحلة، مركز صناعة النسيج في مصر. كان ينظر إليها، بشكل صحيح، كطلقة تحذيرية وفهمنا لاحقاً أنها كانت من الأسباب طويلة الأجل للثورة . قد يقارن يوم الجمعة بالمحلة يوماً ما. لن يفوت هتاف “الداخلية بلطجية” فى وسط القاهرة من أذهان الكثيرين بسهولة. كان طلقة تحذيرية. مع التاريخ كدليل، فمن المرجح أن تظل الدولة عنيفة كفيفة صماء عندما يتعلق الأمر بهذه المظالم . لم تستوعب الدروس . وسوف تتعلم بالطريقة الصعبة .
المصدر
بوابة يناير

