![]() |
| جوليا ميلاد تكتب: رحلة الديكتاتور من الكاريزما إلى المسخرة dictator |
هذا المقال رحلة في بحور الديكتاتورية المظلمة، نبدأه في الجزء الأول الذي ينشر اليوم بمقدمة تاريخية عن الديكتاتورية في العالم قبل أن ننتقل إلي الديكتاتورية في صورتها المصرية، ناصر والسادات ومبارك والسيسي كل منهم له ديكتاتوريته الخاصة.. المميزة
على مدى ما يقرب من نصف قرن بدى الشعب المصري غير مكترث بالأنظمة التي توالت على حكمه، نعم أنظمة، إن النظام الحاكم في مصر وإن كان يبدو منذ انقلاب يوليو 1952 نظاما واحدا متماسكا لكنه في الواقعدة أنظمة متعاقبة بتعاقب الحكام وما يربط بينها فقط هو صيغة الحاكم الفرد القابض على كل السلطات في يديه، ولذا فكل حاكم منذ عبد الناصر وحتى السيسي راح يوجه سياسة واقتصاد الدولة وفق رؤيته الخاصة، هذا إذا اعتبرنا أن أحدا منهم كان لديه رؤية بالأساس، ومن جانب الشعب نجد عدم الاكتراث بطبيعة هذه الأنظمة هو السمة الرئيسة.. لماذا؟؟ ببساطة لأن الشعب يريد أن يأكل ويشرب وينام ويتكاثر دون أي تطلع لرفاهية أو عيشة كريمة، فهو ببساطة لا يمتلك الحد الأدنى من الحياة لذا فأقصى طموحه هو هذا الحد الأدبي بل وربما أقل منه، فسياسة التجويع التي مورست بمنهجية ضد الشعب المصري عبر عقود جعلت منه تابعا للسلطات التي توالت عليه أو بالأحرى للأفراد الذين حكموه تباعا.
إن الدكتاتورية هى الرابط الرئيس بين كل من حكموا مصر، فمن هو الدكتاتور؟ وما هى طبيعته؟
إذا توغلنا في التاريخ للبحث عن جذور الدكتاتورية فسوف نجد أنها ضاربة في التاريخ الإنساني منذ أقدم الحضارات لكن كان يروض التمرد ضدها أحيانا النظام الهرمي الذي سنته أغلب الديانات القديمة والقائم على فكرة القدرية في وضع الإنسان فالملك أصبح ملكا بشكل قدري وكذلك الكاهن والجندي والمواطل الفقير واحترام الشرائع الدينية يتأتى من احترام هذا البناء الهرمي للمجتمع.
لكن الدكتاتور كوظيفة سياسية واضحة كان أول ظهور لها في عصر الجمهورية الرومانية قبل حوالي 2500 سنة من الآن، وكان نظام الحكم في الجمهورية الرومانية يقتضي انتخاب قنصلان من فئة العسكريين يديران الدولة فيما بينهما بالتعاون مع مجلس الشيوخ المنتخب أيضا، وكانت هذه التجربة هى أول تجربة ديمقراطية حقيقية في التاريخ، لكن في أوقات الحروب والأزمات كان يتم اختيار فرد من قبل مجلس الشيوخ يتولى الحكم بمفرده ويتم منحه كافة السلطات المطلقة لإدارة الدولة وفق القانون وسمي هذا المنصب الديكتاتور وكان القانون ينص على أن الدكتاتور يتولى الحكم لمدة 6 أشهر فقط ويتم التجديد له إذا لم تنته الأزمة.
وبوصول يوليوس قيصر لمنصب الدكتاتور في روما منح نفسه السلطات المطلقة وهمش دور مجلس الشيوخ وانفرد بالحكم وحول روما من جمهورية إلى امبراطورية وأصبح هو الدكتاتور مدى الحياة وهو ما أدي إلى اغتياله بعد ذلك على يد بعض من معاونيه. وعادت روما جمهورية لفترة قصيرة ثم تحولت إلى امبراطورية دكتاتورية حتى نهايتها بوصول أغسطس قيصر للحكم. وكان الدكتاتور يستمد شرعيته من الكهنوت الديني أي أنه في يديه سلطة دنيوية وأخرى دينية وترسخ هذا الأمر أكثر مع تحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية بدلا من الوثنيةوهنا ظهر شعار الإمبراطور ظل الله على الأرض.
واستمرت هذه الصيغة في الحكم لدى كل الامبراطوريات التاريخية والدول التي تعاقبت بعد الامبراطورية الرومانية منذ الدولة الإسلامية وخلافاتها الأربع وحتى الامبراطوريتين الفرنسية والإنجليزية إلى أن اندلعت الثورات البورجوازية في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بما جعل طبول الديمقراطية تدق مرة أخرى بعد أكثر من 2000 سنة من الحكم الشمولي وكان رد فعل الحكومات والأنظمة الحاكمة وقتها هو تفكيك السلطة الإلهية الممنوحة للملك ومن هنا ظهرت الملكية الدستورية فضلا عن قيام بعض الجمهوريات الأخرى في أوروبا والتي قامت على فكرة تداول السلطة
لكن مع نهاية الحرب العالمية الأولى بدأت تلوح على أوروبا مرة أخرى وجوه الدكتاتورية إلى أن قامت دكتاتوريات فعلية وهذه المرة لا تستمد شرعيتها من الدين بل من الأيديولوجيا، فصعود النزعات القومية في أوروبا أفسح المجال لكل من هتلر وموسوليني ومع وأد التجربة الماركسية في الاتحاد السوفيتي وتأسيس نظام الحزب الواحد بديلا عن الكوميونات التي كان يأملها ماركس في الدولة الشيوعية أفسح هذا المجال أيضا لستالين والثلاثة هم أشهر الدكتاتوريين في النصف الأول من القرن العشرين بل وكانوا ملهمين للدكتاتوريي النصف الثاني من نفس القرن ولا سيما العرب منهم.
السؤال الآن: ما الذي يجعل لدى الإنسان الرغبة في السلطة المطلقة؟ أو بصيغة أخرى: لماذا يصبح الحاكم دكتاتور؟ إذا تأملنا نشأة الدكتاتوريين وحياتهم الخاصة ربما نصل إلى إجابة.
بينيتو موسوليني:
نشأة بينيتو موسوليني في 1883 لأسرة فقيرة في قرية دوفيا دي بريدابيو بشمال إيطاليا مكونة، أبوه أليساندرو موسوليني كان حدادا له ميول اشتراكية وأمه روزا كانت معلمة في مدرسة كاثوليكية وبينيتو كان أكبر أبناءهما وقد لوحظ عليه منذ طفولته أنه كان ميالا إلى الشغب، والعنف، فعندما كانت أمه تصطحبه إلى المدرسة التي تعمل بها كان يضرب الأطفال ويلقي الحجارة على المدرسين، وداخل الكنيسة كان يقوم بالأفعال نفسها حتى أن أمه منعت من دخول الكنيسة بسببه، بعد ذلك تم إيداعه في مدرسة داخلية يديرها رهبان وكان الرهبان يعاملون التلاميذ بقسوة شديدة وهو ما كبح جماح بينيتو إلى درجة كبيرة خوفا من العقاب ولدرجة جعلته يجتهد في تحصيل العلم لكي يغادر المدرسة، وبالفعل تخرج من المدرسة بتفوق عام 1901 وكان من المفترض أن يعمل معلما بنفس المدرسة لكنه رفض وهاجر إلى سويسرا هربا من الخدمة العسكرية.
تنقل في سويسرا بين وظائف شتى فعمل مدرسا لفترة ثم كاتب حسابات ثو مراسلا صحافيا وخلال ذلك تعرف على الفكر الماركسي والفوضوي وتأثر بها فتبنى أفكارا مفادها هدم اللليبرالية الديمقراطية والرأسمالية بالعنف والقوة ثم انخرط في العمل السياسي وانضم للحزب الاشتراكي الإيطالي وعملكمحاضر ومراسل لبعض المنشورات الاشتراكية.
في عام 1911 أعلنت إيطاليا الحرب على الامبراطورية العثمانية فانضم موسوليني مع الشباب الاشتراكي في مظاهرات عارمة ضد الحرب ومنادية بالسلام لكن مع قيام الحرب العالمية الأولى 1914 كتب موسوليني مقالا يطالب فيه الحكومة الإيطالية بدخول الحرب في صف الحلفاء وهو الأمر المخالف لسياسة الحزب فتم فصله فعاد إلى إيطاليا وانضم إلى الجيش كجندي وخاض غمار الحرب العالمية الأولى التي خرجت منها إيطاليا منهكة القوى ومشحونة بالكثير من الأزمات الاقتصادية بسبب ندرة العمل وتفشي الفقر، فشهد موسوليني كل ذلك وكان لا يرى سبيل لإصلاح المجتمع إلا العنف.
كانت الفاشية قد أخذت في الصعود كأيديولوجيا سياسية في المجتمع الإيطالي فانجذب إليها موسوليني لما تتنباه من أفكار قائمة على العنف والقوة في سبيل تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية فانضم إليها وأسس مع رفاقة الحركة الفاشية التي سرعان ما أصبحت حزبا وتمكن موسوليني من دخول البرلمان بالانتخاب عام 1921 وتعاون موسوليني ومع أعضاء الحركة الفاشية في تأسيس جناح عسكري مشكل من المحاربين العائدين من الحرب العالمية وذلك لإرهاب خصومهم من الاشتراكيين والفوضويين وعلى جانب آخر كان يقود موسوليني مظاهرات ضد الحكومة ويسير وراءه عشرات الألوف من الشباب والذين سرعان ما انضموا إلى الحزب الذي أسسه والذي أصبح له الكلمة العليا في البرلمان وفي الشارع أيضا ففي 1922 حوصر مقر الحكومة الإيطالية ب 14000 فاشي مطالبين بإسقاط الحكومة كما اندلعت المظاهرات في نابولي وبعض المدن الأخرى وهو ما دفع الملك فيكتور إيمانويل الثالث إلى تكليف بينيتو موسولويني بتشكيل الحكومة فأصبح رئيسا للوزراء وهو في سن 39 سنة، وبذلك خطى أول خطوة في طريق استعادة مجد الإمبراطورية الرومانية ذلك الهدف الذي من أجله تظاهر الشباب الفاشي في روما من أجل وصوله لمنصب رئيس الوزراء.
كان موسوليني مولعا بنفسه وكاريزميته الطاغية ولذا كانت خطاباته المباشرة أمام الجماهير بأداءه المسرحي المحمل بالحماسة إلى درجة المبالغة أمرا روتينيا لديه ويجله إجلالا شديدا شأنه في ذلك شأن هتلر صديقه وحليفه وبمرور السنوات واستمرار موسوليني في حكم ترسخ داخله إحساسة بالتفرد فتماهى مع الدولة فأصبحت إيطاليا هى موسوليني وموسوليني هو إيطاليا وهو الأمر الذي انتقل إلى أذهان المؤيدين له ولكي تكتمل وجاهة الزعيم الأوحد كان لابد من وجود أنثى بجانبه تزيد من بريقه أمام الكاميرات لذا وضع بجانبه عشيقته كلارا بيتاتشي التي تصغره ب 28 عام، وهو ملمح آخر يتشابه فيه موسوليني مع هتلر الذي كان يحرص على حضور عشيقته إيفا براون كل لقاءاته وخطاباته. ومن هنا يمكننا الانتقال لرصد شخصية هتلر.

