PropellerAds

الأحد، 21 فبراير 2016

تجربة إفلاس الأرجنتين.. الشبح الذي يطارد الاقتصاد المصرى bankruptcy

تجربة إفلاس الأرجنتين.. الشبح الذي يطارد الاقتصاد المصرى  bankruptcy
تجربة إفلاس الأرجنتين.. الشبح الذي يطارد الاقتصاد المصرى  bankruptcy

أثار التقرير الذي نشرناه على «بوابة يناير» تحت عنوان «اقتصاديون: مصر مقبلة على مصير الأرجنتين.. والفقراء سيدفعون الثمن» العديد من ردود الأفعال، كما حظي بكم هائل من المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي.

غير أن الجملة التي علقت بأذهاننا كانت من أحد متابعي الصفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” حين كتب سخرا: “مش لما نعرف الأول إيه اللي حصل للأرجنتين”.

الجملة التي قد تبدو ساخرة، إلا أنها لفتت أذهاننا إلى حتمية التعريف بالكارثة التي حلت بالأرجنتين فى مطلع الألفية الجديدة حين شهدت انخفاضا حادا فى معدلات النمو، وارتفاعا غير مسبوق فى معدلات كل من الدين الخارجى (قدرت بنحو سبع إجمالى ديون العالم الثالث آنذاك)، والتضخم، والبطالة، وانهيار سعر صرف العملة المحلية (البيسو) أمام الدولار وانكماشا فى الاقتصاد الكلى تمثل فى تحقيق معدلات نمو سلبية خلال الفترة بين عامي 1999 و 2002، وهو ما عرف فى أوساط الاقتصاد العالمى بـ«أزمة إفلاس الأرجنتين».

تبدو الصورة فى مصر السيسي للأسف غير بعيدة عن الأرجنتين (1999 – 2002) بالنظر لارتفاع عجز الموازنة، وارتفاع مستويات الدين الداخلى (نحو 2.259 تريليون جنيه) والخارجى (بلغ 46.1 مليار دولار، فى نهاية شهر سبتمبر 2015)، والاعتماد الكامل على استيراد السلع الغذائية والوقود فى ظل تناقص السيولة النقدية وتآكل احتياطات النقد الأجنبى، مع مراعاة أن الوضع الاقتصادى مرشح لمزيد من التردى خلال فصل الصيف على خلفية الارتفاع المتوقع للطلب على الغذاء والطاقة.

“الأرجنتين.. إفلاس وجوع”

“نحن جياع، نريد طعام”، إلي هذا الحد المأسوي وصل الوضع الاقتصادي المتردي للمواطنين في الأرجنتين عام2001 في أسوأ أزمة مالية وضعت الاقتصاد الأرجنتيني علي حافة الانهيار، وفجرت ثورة غضب شعبي استشرت وتأججت في أرجاء الطبقة المتوسطة وكسرت وبددت من هم تحت خط الفقر، ووصلت إلى حد قيام المواطنين بمهاجمة البنوك.

وينبغى الإشارة إلى أنه من الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة كان النظام الديكتاتوري العسكري الذي حكم البلاد وتسبب في حدوث أزمات اقتصادية كبيرة خصوصًا بين عامي 1976 – 1983م.

“بداية الأزمة”

كانت لأزمة البيزو المكسيكي في أواخر 1994 وأوائل سنة 1995 آثار سلبية في السوق المالية الأرجنتينية ، و في ظل نظام مالي ضعيف، ومعدلات تبادل غير مرنة، واعتماد كلي على تدفقات رأس المال الأجنبي قصيرة الأجل، فقد أظهرت الأرجنتين الكثير من مؤشرات التعرض لأزمات مالية، ومن ثم كانت النتائج غير مبشرة بالخير.

أوجه التشابه بين الاقتصاد الأرجنتيني والاقتصاد المكسيكي، جعل المستثمرين يخشون من أن من تكرار احداث المكسيك في الأرجنتين و كان نتيجة ذلك ظهور أزمة ثقة في أسواق المال في الأرجنتين و كذا التخلص بشكل كبير من الأسهم والسندات.

وواصل التعامل بالدولار استمراره، كما زادت توقعات المستثمرين بالنسبة لخفض قيمة العملة في الأشهر الأولى من سنة 1997. وفي الفترة ما بين ديسمبر 1995 و مارس 1995 فقد البنك المركزي الأرجنتيني 5.5 مليار دولار أمريكي من إجمالي احتياطه بسبب تحول البيزو بشكل مرعب إلى الدولار من جانب القطاع الخاص.

كما أن حالة الذعر أثرت أيضاً على سوق الأسهم, ففي ديسمبر 1994 انخفض مؤشر إلى 12.4% ثم انخفض بعد ذلك إلى 25.7% في جانفي Merval أسعار أسهم بورصة 1995، وفي أوائل مارس في نفس العام انخفض لأكثر من 50 % عما كان عليه في ديسمبر 1995، كما أن قيمة الأسهم المتداولة في بورصة بيونس أيرس قد انخفضت.

ولقد ضربت الأزمة المالية النظام المصرفي في الأرجنتين ضربت قوية، في نهاية مارس 1995 فقد النظام المصرفي كله ودائع إجمالية بلغت 7.5 مليار دولار من العملة المحلية والعملة الأجنبية.

“الكارثة تزداد”

وعلى وقع الأزمة، عانتْ الأرجنتين أزمة حادة تزامنتْ مع اتجاه الرؤساء المتعاقبين عليها -بعد جلاء الحكم العسكري عنها- لإطلاق خطط طموحة للتنمية على أسس يمينية ونيو ليبرالية، اعتمدتْ بالأساس على الاقتراض من الخارج لتمويل الاتجاه للتصنيع؛ وهو ما اصطُلح عليه حينها بـ”عملية إعادة التنظيم الوطني”، بَيْد أنَّ هذه الخطط صادفت تعثرا على خلفية عدم الاستقرار السياسي داخليا، وارتفاع أسعار النفط، وهزيمة الأرجنتين أمام بريطانيا في “حرب الفوكلاند”.

وبحسب ما دوَّنه التاريخ الاقتصادي، فقد انفجرت الأوضاع في العام 1999، عندما وصل مُتوسط الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة وبلغ 132 مليار دولار تقريبا، في ظل تثبيت سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار، وانخفاض تدفقات النقد الأجنبي بعد الانتهاء من خَصْخصة أغلب الشركات الوطنية، وازدياد معدلات الإنفاق الحكومي ومعدلات خروج رءوس الأموال من السوق؛ مما أدى لانخفاض معدلات النمو على نحو قياسي، ودخول الاقتصاد في مرحلة انكماش لم يخرج منها إلا في العام 2003.

وقد عجزت الأرجنتين في تلك الفترة عن سداد أقساط الديون والفوائد الخاصة بأذون الخزانة، وانخفض تصنيفها الائتماني بشكل استحال معه اللجوء للاستدانة مجدًّدا من المانحين الدوليين، واضطرت الحكومة لإشهار إفلاسها وعجزها عن تسديد ديونها الخارجية، ونفذت إجراءات تقشفية شديدة الوطأة؛ أبرزها: تخفيض الإنفاق الحكومي -مُتضمنا الأجور والمعاشات- وزيادة الضرائب، ورفع أسعار السلع الأساسية؛ وقد تزامن ذلك نع ظرف سياسي غير مواتٍ؛ مما أدى لانفجار الأوضاع في ديسمبر 2001 بشكل كامل.

وعزا محللون انفجار الأزمة المالية والاقتصادية الأرجنتينية، إلى انتشار الفساد، وهروب رؤوس الأموال بسبب السياسة النقدية غير الملائمة، واعتبروه محصلة أيضاً للركود العميق الذي ضرب الأرجنتين؛ حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الأرجنتيني نحو -3.4 في المئة، -0.8 في المئة، -4.40 في المئة، -16 في المئة في أعوام 1999، 2000، 2001، 2002 على الترتيب.

وتعود الأزمة لسياسة الاستدانة من الخارج التي دفعت بالديون الخارجية للأرجنتين للقفز إلى 146.2 مليار دولار في العام 2000 -وهو ما يوازي 56 في المئة من الناتج القومي الإجمالي للأرجنتين في العام نفسه- واستهلكت خدمة هذه الديون نحو 75.7 في المئة من إجمالي حصيلة الصادرات الأرجنتينية من السلع والخدمات؛ مما أجبر الأرجنتين على الاستدانة مجدداً لتمويل وارداتها من السلع والخدمات، لتنزلق بسرعة صاروخية إلى هاوية المديونية.

وربما كان السبب الرئيسي في تفاقم المديونيات ضعف معدل الادخار المحلي في الأرجنتين الذي بلغ 15 في المئة عام 2000، والذي يُعد واحداً من أدنى معدلات الادخار في العالم؛ حيث بلغ متوسط معدل الادخار العالمي نحو 23 في المئة في ذلك العام. كما يعزى انفجار الأزمة إلى العجز الهائل والمتراكم في ميزان الحساب الجاري والذي بلغ نحو 3.1 في المئة، و2.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين في عامي 2000 و2001 على التوالي.

كما يمكن اعتبار تفاقم معدل البطالة الذي بلغ 3.18 في المئة من قوة العمل الأرجنتينية في العام 2001، أحد أبرز أسباب تفجر الأزمة.

“تداعيات الأزمة”

وكانت النتيجة الأولى للأزمة الأرجنتينية هي تعرض العملة المحلية المستقرة منذ العام 1993، وحتى انفجار الأزمة في ديسمبر 2001، لضغوط هائلة، وطلب صندوق النقد الدولي من الأرجنتين أن تقوم بتخفيض قيمة عملتها لتحسين القدرة التنافسية لصادراتها من السلع والخدمات ولتقليص الواردات، حتى تتمكن من إعادة التوازن لموازينها الخارجية؛ وذلك كشرط لتقديم الصندوق لقروض مساندة للأرجنتين، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة أنها غير معنية بإنقاذ الأرجنتين من أزمتها، وأن ذلك مسؤولية صندوق النقد الدولي؛ الأمر الذي أدى لتدهور العملة الأرجنتينية منذ انفجار الأزمة وحتى نهاية العام 2002، وتراجعها بنسبة 70.3 في المئة، بعد أن انخفضت من دولار واحد لكل بيسو في ديسمبر 2001، إلى نحو 0.2967 دولار لكل بيسو في نهاية 2002.

ورغم أن هذا الانخفاض في سعر العملة، كان من المفترض أن يؤدي لزيادة صادرات السلع والخدمات وتقليص الواردات وتحسين الموازين الخارجية، إلا أن الاضطراب السياسي والاقتصادي أدى لتخفيض الناتج من السلع والخدمات بمعدل كبير بنسبة 16 في المئة؛ مما أدى لتخفيض قدرة الأرجنتين، وعدم قدرتها على تمويل الواردات.

“بين مصر والأرجنتين”

الاوضاع الاقتصادية في مصر مشابهة إلى حد بعيد مع نظيرتها في الارجنتين باستثناء بعض الفروق الطفيفة، لكن تجدر الاشارة الى ان الارجنتين بمواردها الضخمة غير المتاحة في مصر وبتعداد سكانها الذي يقل عن سكان مصر بمرة ونصف المرة لم تستطع مواجهة الازمة الاقتصادية التي اطاحت بعملتها الوطنية (البيزو) مقابل الدولار.

من ضمن التشابه بين الوضع المصري الحالي والازمة الارجنتينيتة ان المقدمات كلها كانت تؤكد حدوث هذه الازمة في ظل الانصياع التام لطلبات صندوق النقد الدولي وتعويم عملتها الوطنية وانفاق الاستثمارات الاجنبية التي تدفقت إليها في غير مجالاتها مما أضافها الى الديون المتراكمة.

سياسة سعر الصرف في مصر كانت ثابتة تعتمد على تثبيت سعر الدولار، اما الآن فلجأت الى تعويم الجنيه وتخفيضه تدريجيا، الامر الذي ادى الى زيادة أسعار كافة السلع في مصر سواء المحلية او المستوردة بنسب تتراوح بين 25% و35% الامر الذي يزيد حدة الركود والتضخم خاصة في ظل وثبات وأجور ثابتة بل متناقصة، مشيرا الى ان الارجنتين رفعت الراية البيضاء للدولار الامريكي وهو ما بدأت مصر تفعله خاصة وأن قرارات محافظ البنك المركزي مجرد حبر على ورق!!

وأخيرا هل تقدر الحكومة الحالية على المرور بمصر بعيدا عن تكرار مصير الارجنتين؟ أم ان القائمين على الحكم في مصر لا يشغلهم سوى الاستمرار في الحكم مهما كلف ذلك من إفلاس للبلاد؟
المصدر
بوابة يناير
عبدالرحمن كمال