مُنذ تصدر القوات المٌسلحة المشهد السياسي العام في مصر بعد بيان 3 يونيو الشهر، ومعيار العدالة في مصر مُهتزٍ تماماً بل إنكسرت حاملات الميزان التي تنصب عدالتها على المُجتمع المصري، ولم يعد هناك ما يٌسمى بسيادة القانون وغيره، فصحيح أن عهد الإخوان المٌسلمين لم يكن جميلاً ومُشرقاً بالحرية الكاملة ولكنه مقارنة بما تلاهم أو بالوضع الحالي، فهم مثل الفاصل بين الجنة والنار.
مُنذ يومين قضت محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا حبس الصحفي الروائي أحمد ناجي سنتين، وتغريم رئيس تحرير أخبار الأدب طارق الطاهر 10 آلاف جنيه، في القضية رقم ٩٢٩٢ جنح بولاق أبو العلا وذلك لإتهام ناجي بخدش الحياء العام لنشره فصلًا من روايته “استخدام الحياة” في عدد من مجلة أخبار الأدب، بالطبع حبس أحمد ناجي هو ليس الأول فسبقه حبس التنويري إسلام البحيري والكاتبة فاطمة ناعوت فقط لإبدائهم أراء تختلف مع أفكار وعادات وتقاليد المُجتمع المصري، وهو ما يجعل تلك النقطة هي محور ومربط الفرس.
هل نحن الآن في دولة مدنية كما يزعم عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية وأجهزته ومؤسساته وأذرعه الإعلامية؟
مكتوب في وثيقة الدستور المصري 2014 بأن مصر دولة مدنية حديثة وفي المادة 65، و67 بأن حرية الفكر والرأي مكفولة وحق لكل إنسان وأن حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة أيضاً لكل مواطن مصري، ولكن يظهر ويتضح هُنا أنها مُجرد كلمات على ورق لا يُعمل بها ولا تُنفذ على الإطلاق وليست لها أي قيمة.
ففي الدستور المصري لم يُحدد بأن حرية الإبداع الفني والأدبي و الفكر مكفولة ما دام تُعجب أو تسير على أهواء القاضي المصري الذي حكم بعامين على الروائي أحمد ناجي، أو مالم تعجب النظام المصري نفسه، بل كُتبت مفتوحة القوسين دون شروط بمعنى إن كان الرأي المكتوب أو العمل الأدبي المكتوب يُعجبك أو لا يُعجبك فهو حق مكفول لكاتبه ولا يجوز نهائياً حبسه ما دام فكرٍ لا يُحرض على العنف.
فيبين جلياً هُنا أن الحديث عن الدولة المدنية والحريات وغيرها هي غلاف مُزين ومُسطر من أجل خِداع السُلطة المصرية للغرب بأن مصر هي دولة حريات وغيرها من تلك الأكاذيب الوهمية.
ماذا عن مبدأ سيادة القانون في مصر وسياسة الأهواء؟
لوهلة تشعر بعد حبس الروائي أحمد ناجي أن السٌلطة في مصر دولة ذات معيار أخلاقي مٌعين ولا تقبل الإساءات والتجاوزات من كل أفراد المُجتمع المصري كما هي تراها وتصفها وتُطبق مبدأ سيادة القانون على الجميع، ولكن تنظر مثلاً لمرتضى منصور عضو مجلس النواب ورئيس لجنة حقوق الإنسان بها، تراه يسب ليلاً ونهاراً كل من يختلف معه وينتهك كل المعايير والقيم الأخلاقية ويهدد ويحرض على القتل ويقعل ما يحلو له ورغم ذلك طليق لا يُحاكم ولا يُقبض عليه ولا يُوجد قانون بمقدرته أن يتصدى له أو يقف أمامه، فطالما هو يروق للُسلطة فلن يتعرض لأي أذى.
وهنا يتحدد أن معيار الأخلاق وسياسة الاهواء من وجهة نظر السٌلطة هي مُخلخلة وذات مكيالين وظالمة وقمعية، وهو ما يثبت للعالم بأسره أن مصر ليست دولة مدنية بها حريات وسيادة قانون، بل أنها دولة إستبدادية عسكرية تحبس الكُتاب والمُثقفون والتنويريون لمجرد أن أرائهم لا تتماشى مع أهوائها وتتعمد قتل روح الخيال في الوعي الجمعي المصري لتثبيت عمرها في الحكم أكثر مدة أممكنة وحتى يُحبس خيال المصريين وِفقاً لمعاييرها فقط.
وتقول صحيفة “الجارديان” البريطانية إن حبس الكاتب أحمد ناجي بتهمة خدش الحياء العام, يكشف مجددا حجم القيود على حرية التعبير في مصر.
وأضافت الصحيفة في تقرير لها في 21 فبراير أن المنتقدين لهذا الحكم قارنوا بين حبس ناجي بسبب “رواية”، وما سموه إفلات بعض رجال الشرطة من العقاب على تعذيب مواطنين، حسب تعبيرهم.
وتابعت أن هناك عدة وقائع سابقة تكشف ما سمته محاربة السلطات المصرية حرية التعبير منها, إلقاء القبض في وقت سابق على رسام كاريكاتير ومداهمة إحدى دور النشر
وأشارت إلي: “تمت معاقبة ناجي والطاهر بأقصى عقوبة أباحها القانون لتهمة (خدش الحياء العام)، في رسالة قاسية وواضحة لكل من تُسوِّل له نفسه أن يستخدم خياله أو قلمه ليُعبِّر عن أية آراء مخالفة للثقافة العامة التي تحميها السلطة بهدف قتل روح الخيال والإبداع بما يساهم فيه ذلك من وقف حركة تطور الوعي الجماعي للمجتمع، ويجعله حبيس أفكار معادية للاختلاف وقبول الآخر”.
يبدو أن مع إستمرار النظام المصري في خنق المجال العام أمام كافة جموع الشباب والمُفكرين والكُتاب المصريين وغياب العدالة وسيادة القانون بين كافة المصريين، ستزداد معدلات التطرف والتشدد الفكري بكثافة رهيبة وسيتغذى الإرهاب على ذلك لصالحه وهو ما يُنذر بدخول مصر على مرحلة سوداوية جديدة لا يُعتقد بأن نتائجها حميدة.
المصدر
بوابة يناير
ياسر الكومي

