لم تعد الانتهاكات الصهيونية مقبولة، أو يمكن التغاضي عنها، حتى من قِبَل الدول والمنظمات الحليفة لإسرائيل. فمع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت الأراضي والشعب الفلسطيني، اضطرت الدول الكبرى والمنظمات الدولية التي طالما دافعت عن إسرائيل، إلى شجب وإدانة التصرفات الإسرائيلية، وعلى رأسها السويد والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وكندا وفرنسا. وعلى الرغم من أن هذه المنظمات والدول اكتفت بإطلاق التصريحات دون أي تحركات ملموسة، إلا أن الكيان الصهيوني ومسؤوليه لم يرُقْ لهم هذا الاعتراض، وهو ما دفعهم إلى إطلاق حملات مسعورة وإشهار ورقة الإرهاب في وجه المعترضين، فانتقاد إسرائيل وممارساتها العنصرية خط أحمر ممنوع اجتيازه.
حرب تصريحات
بدأت حرب التصريحات الأخيرة بين الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وإسرائيل، بعدما وافقت وزارة الحرب الإسرائيلية على خطط لبناء ۱٥۳ وحدة سكنية استيطانية جديدة في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، وسبقها إعلان الحكومة الإسرائيلية الشهر الماضي عن ضم 370 دونم من مناطق الضفة الغربية واعتبارها أراضي دولة، وهو ما أثار حفيظة واستياء رؤساء وحكومات ومنظمات العالم؛ على اعتبار أن الخطط الصهيونية الاستيطانية تكرس الغضب الفلسطيني، وتدفع إلى انهيار الأمل الباقي للمفاوضات.
القرار الصهيوني أثار استفزاز الأمم المتحدة، وهو ما دفع أمينها العام إلى التنديد بشدة باستمرار الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية المحتلة، داعيًا إلى تجميد البناء في المستوطنات. وأعرب بان كي مون لدى مخاطبته مجلس الأمن الدولي عن قلقه العميق إزاء مشاريع الصهاينة بناء وحدات استيطانية جديدة، ووصف ذلك بأنه مبادرات استفزازية ليس من شأنها سوى تصعيد التوتر أكثر والتأثير سلبًا على أفق تسوية سياسية. وأكد بان أنه لإحراز تقدم باتجاه التسوية يجب تجميد عملية الاستيطان، مشددًا على أن مواصلة الاستيطان استخفاف بالشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي، ويثير أسئلة أساسية بشأن التزام إسرائيل بحل الدولتين.
الاعتراض الأممي الذي وجهه بان كي مون لإسرائيل أغضب رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني “بنيامين نتنياهو”، الذي اعتاد على انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني دون عقاب، وارتكاب المجزرة تلو الأخرى دون إبداء مجرد اعتراض، وهو ما دفعه إلى شن حملة مسعورة على الأمين العام للأمم المتحدة، حيث اتهمه بتشجيع الإرهاب، وقال نتنياهو إن تصريحات الأمين العام تشجع الإرهاب، وإن القتلة الفلسطينيين لا يريدون بناء دولة، بل يريدون تدمير دولة، ويريدون قتل اليهود ليس من أجل السلام، ولا من أجل حقوق الإنسان، متهمًا المنظمة الدولية بالنفاق.
الحملة الصهيونية لم تقتصر على الحكومة فقط، بل شاركت فيها وسائل الإعلام الصهيونية أيضًا، حيث وصفت صحيفة يديعوت أحرونوت بان كي مون بالقول “وقاحة الأمين العام”، ووصفت الهيئة بالكامل بأنها “مسرح التحريض على إسرائيل”، وأنها المنظمة التي تحب أن تكره إسرائيل، متهمة الأمين العام بأنه يضفي الشرعية على التحريض والكراهية لإسرائيل.
عاد بان كي مون ليدافع عن نفسه، حيث رفض اتهامات القيادة الإسرائيلية له بتشجيع الإرهاب، وكتب في مقالة نُشِرَت بصحفية نيويورك تايمز، تحت عنوان “لا تقتلي الرسول يا إسرائيل”، أمس الاثنين: أنا أتصدى دائمًا لأولئك الذين يشككون في حق إسرائيل في الوجود، مثلما أدافع دائمًا عن حق الفلسطينيين في إقامة دولة خاصة بهم. وأردف قائلًا: لذلك فإنني أخشى من أننا نقترب من نقطة اللاعودة فيما يخص حل الدولتين، كما أنني قلق من تصريحات تصدر عن مسؤولين كبار في الحكومة الإسرائيلية مفادها أنه يجب التخلي عن هذا الهدف نهائيًّا.
في ذات الإطار حذر بان كي مون من المخاطر المحدقة بالطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء؛ بسبب استمرار المأزق الراهن، بما في ذلك استمرار موجة الإرهاب، وانهيار السلطة الفلسطينية، ومزيد من العزلة والضغوط الدولية على إسرائيل.
وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى الشعور المتنامي لدى الفلسطينيين بخيبة الأمل والمعاناة تحت وطأة الاحتلال المستمر منذ نصف قرن، وشدد قائلًا: تجاهل هذا الأمر لن يؤدي إلى اختفائه. كل شخص حر في اختيار ما يروق له أو لا يروق له من الخطابات. واختتم بقوله لإسرائيل: إن انتقاد الأمم المتحدة، أو الهجوم عليَّ، يأتي ضمن نطاق عملي، لكن عندما يكون هنالك قلق صادق حيال سياسات قصيرة النظر أو خاطئة صادر من عدد كبير من الجهات، من بين ذلك جهات تعتبر من أقرب أصدقاء إسرائيل، لا يمكن أن يكون مقبولًا استمرار الهجمات العنيفة عند صدور كل انتقاد صادق النوايا.
الأزمة تمتد داخل الأمم المتحدة
الأزمة بين الأمم المتحدة وإسرائيل لم تقتصر على أمينها العام فقط، بل وصلت إلى مقرر الأمم المتحدة الخاص بوضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مكارم ويبيسونو، الذي قدم استقالته مطلع يناير الماضي، بعدما منعته إسرائيل من الوصول طوال فترة توليه مهامه إلى المناطق التي يُفترَض أن يراقبها، حيث طلب المقرر مرارًا، سواء في صورة شفوية أو مكتوبة، من السلطات الإسرائيلية أن تجيز له دخول الأراضي الفلسطينية، لكنه لم يتلقَّ ردًّا، وهو ما عرقل جهوده للمساعدة في تحسين حياة الفلسطينيين، ودفعه إلى تقديم استقالته، وأعرب خلالها عن أمله أن يتمكن المقرر الذي سيخلفه من حل المأزق الراهن، مشددًا على ضرورة أن تتعاون إسرائيل بشكل كامل، وأن تسمح بدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة دون معوقات.
إصرار صهيوني يستفز العالم
إصرار الاحتلال الصهيوني على مواصلة أنشطته الاستيطانية في الضفة الغربية، رغم إجماع المجموعة الدولية على عدم شرعيتها ومطالبة إسرائيل بضرورة وقفها فورًا، دفع العالم إلى الخروج عن صمته وانتقاد التصرفات الصهيونية المستفزة، وهو ما تزايد خلال الفترة الأخيرة، حيث بدأته السويد، التي طالبت وزيرة خارجيتها مارغو فالستروم، بإجراء تحقيق معمق حول ظروف قتل فلسطينيين برصاص القوات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة؛ ليتبعها وزير الخارجية الكندي، ستيفان ديو، الذي وجه انتقادًا شديد اللهجة لسياسة الاستيطان الإسرائيلية؛ ليأتي دور الاتحاد الأوروبي الذي انتقد الاستيطان بشدة أيضًا، واتخذ إجراءات ضد المنتجات الاستيطانية؛ ليصل إلى بريطانيا والأمم المتحدة وفرنسا، التي هددت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية مؤخرًا.
الانتقادات المستمرة والغضب المجتمعي والدولي من الممارسات الاستفزازية الإسرائيلية قد يدفع بإسرائيل إلى حافة العزلة والتهميش الدولي، وقد يؤدي إلى انهيار اقتصادها؛ حيث إن معظم دول العالم أعلنت مقاطعة المنتجات الاستيطانية وسط تخوفات صهيونية من أن تمتد المقاطعة إلى كافة المنتجات الإسرائيلية وليست الاستيطانية فحسب.
هل من تحرك ملموس؟
الإدانات والتصريحات التي أطلقها العديد من الدول والمنظمات والاتحادات الدولية لم تكن جديدة على مسامع الكيان الصهيوني ومسؤوليه، ولم تأتِ بحقوق الشعب الفلسطيني على مدار السنوات الماضية، لكن تزايدها خلال الفترة الماضية ووصولها إلى المستوى الأخير واندلاع حرب تصريحات لا تزال مستمرة حتى الآن يفتح الباب أمام تساؤل هام: هل ستستمر الإدانات والتصريحات دون أي تحرك فعلي يوقف الكيان المحتل، أم ستشهد الأيام المقبلة اتخاذ قرارات دولية تعاقب الاحتلال على إجراءاته، خاصة بعدما عاود الفلسطينيون تحركاتهم في المحافل الدولية؟

