في إحدى وثائقيات ناشيونال جيوغرافي، حول الذكاء والمنطق، يظهر المنشط الوثائقي وهو يقدم قارورة زجاجية مملوءة بسكاكر الحلوى الصغيرة، وطلب من مجموعة أمامه عدد أفرادها 20 فردا متنوعي الجنس والعمر، تخمين عدد السكاكر الموجودة في العلبة الزجاجية، تعددت التخمينات التي قدمها المتطوعون، فكان أقلها 300 وأقصاها 4000.
بعدها قدم منشط الوثائقي طفلا صغيرا لديه آلة حاسبة، وقال إنه سيقول لنا الجواب الصحيح، قام الصبي بجمع الأعداد التي خمنها المتطوعون والمسجلة في السبورة وقام بقسمتها على عدد المخمنين وهو 20 ليحصل على متوسط التخمينات، كانت النتيجة مذهلة، حيث الفرق بينها وبين الرقم الحقيقي لأعداد السكاكر الموجودة في القارورة هو 22 نقطة فقط، وهو العدد الذي كانت كل تخمينات المتطوعين أبعد ما يكون عنه.
بالفعل أظهرت هذه التجربة الفريدة للمتتبعين نوعا آخر من الذكاء لا يقل أهمية عن الذكاء التقليدي الفردي الذي نعرفه، إنه الذكاء الجمعي، ويطلق عليه أيضا تسميات أخرى مثل حكمة الجمهور، الذكاء التكافلي، والاتحاد العقلي.
فماذا نقصد إذن بالذكاء الجمعي؟
تعود أصول المفهوم إلى سنة 1911، حيث تم العثور على ملاحظات لعالم الحشرات وليام مورتون ويلر استقاها من دراسته عن النمل، يقول فيها “يبدو أن الأفراد المستقلين يمكنهم التعاون بشكل وثيق بحيث يصبح من غير الممكن تمييزه عن كائن واحد”.
وفي عام 1912 ذكر أحد مؤسسي علم الاجتماع إميل دوركهايم، وهو يشرح في كتابه “قواعد المنهج” طبيعة هذا التخصص المولود آنذاك، بأن المجتمع يولد فكرا منطقيا مستقلا تماما عن الأفراد ورغباتهم، وأن منطق المجتمع هو ذكاء أعلى لأنه يتجاوز الفرد في الزمان والمكان، لكنه لم يوضح الطريقة التي يتم بها ذلك.
حتى تكون لدينا صورة أوضح عن الذكاء الجمعي، علينا أن نلقي نظرة في علم البيولوجيا الذي في إطاره نشأ هذا المفهوم أول الأمر.
يعمل إيان كوزين منذ مدة على دراسة العقل الجماعي لدى الحيوانات، ومن أجل ذلك يتتبع أسراب الطيور، ووجد أن كل طائر من السرب تحكمه مسافة معينة عن أشقائه في فصيلته، ويطير بسرعة معينة، وكل ذلك من أجل تسهيل حركة طيران السرب أمام الرياح. الأمر الذي لم يكن لطائر واحد القدرة على فعله.

وفي دراسة أخرى للباحث أولاف هانديجارد، قام بالتصوير بالسونار لاكتشاف ما يحدث في المياه المعتمة بمصبَّات الأنهار في ولاية لويزيانا، عندما تتعرَّض أسراب سمك مِنهيدن الخليجي إلى هجمات السلمون البحري المرقط، لاحظ كيف أن سرب سمك منهيدن يتحرك بسرعة خاطفة وفي وقت واحد لتجنب الافتراس من قبل سمك السلمون؛ إذ تستجيب كل سمكة لحركات جيرانها الأقرب منها، مما يخلق «موجة من الانعطاف» تنتقل بسرعة تبلغ ١٥ ضعفًا لسرعة سباحة السمكة الواحدة، وأسرع كذلك من السمكة المفترسة. وبالتالي فإن أكثر مكان آمن لسمكة المنهيدن هو السرب الكامل غير المتفرق؛ لأن المعلومات حول وجود سمكة مفترسة تصلها أسرع عند وجودها في سرب كبير، فكلما زادت الأعين التي تحدِّد مكمنَ الخطر، وزادت حركات أفراد السرب المجاورة، صار تدفُّق المعلومات أفضل.
لكن إذا كان الذكاء الجمعي لدى الحيوانات قد تشكل نتيجة “وعي تطوري”، فإن هذا لا يعني أن كل التجمعات البشرية لديها عقل جمعي بالفطرة، إذ يقتضي تفعيله شروطا وظروفا معينة، بل إن هذا النوع من الذكاء لم يعرفه البشر بصورة أوضح إلا مع التكنولوجيا الجديدة وشبكة الإنترنت، حيث أصبح تواصل ملايين البشر مع بعضهم البعض ممكنا وبطريقة فورية، ما يسهل ظهور ذكاء جمعي لدى البشر ولو بمستويات أولية.
انطلاقا من كل ما ورد، نستطيع أن نقول بأن الذكاء الجماعي لدى البشر، هو ذكاء ينبثق عن تفاعل أنماط تفكير أفراد مجموعة بشرية حول موضوع واحد، بحيث يتم هذا التفاعل بطريقة “لا إرادية” في ظروف معينة. يتفرد بخاصيتين مهمتين وهما: عنصر الأفقية حيث لا يوجد قائد أو موجه للوصول إلى نتيجة معينة، وكل ما في الأمر أن الجمهور يحدد كل شيء، والتفاعلية، حين تتلاقح معلومات الأفراد وأنماط تفكيرهم لينجم عنه في الأخير تفكير جمعي يتجاوز قدرات الأفراد.
أمثلة للذكاء التشاركي في حياتنا المعاصرة
لم يكن يخطر ببال سانجر قبل أربعة عشر سنة، أن موسوعته الحرة ستصبح بهذه الشهرة، وستضم ملايين المقالات، في البداية بدأ سانجر مع صديقه بن كوفيتز في إنجاز مشروع كجزء من المساهمة في الموسوعة البريطانية “النوبيديا”، كان يعتمد في تحرير الموضوعات على الأساتذة الجامعيين والفلاسفة ومؤلفي الموسوعات، وبعد مدة كان يبدو الأمر مثيرا لليأس، حيث إن المساهمات لم تتجاوز بضع عشرات كما أن الإقبال على قراءة مواده كان شحيحا للغاية.

قرر سانجر استثمار برنامج “الويكي” الذي كان حديثا حينها، ابتكره أحد المبرمجين وطرحه كخدمة مفتوحة المصدر، أدخل سانجر برنامج الويكي، الذي يتيح مشاركة المادة الواحدة والتعديل فيها وتحريرها، مستغنيا بذلك عن النخبة التي كانت تنتج المحتوى لصالح الجمهور، بعد فترة قصيرة أصبحت المساهمات تتهاطل على موسوعته بغزارة منقطعة النظير يوما بعد يوم، حتى أصبحت ويكيبيديا حاليا أحد أكثر المنصات الإلكترونية إقبالا وشهرة، نتيجة مجهود الجمهور فقط.
أما جيك وصديقه جيكوب فقد بدا لهما أن إطلاق مسابقة لتصميم شيرتات على الإنترنت أمر مسلٍّ للغاية، لكن طبعا لم يكن يخطر ببالهما أكثر من ذلك.
أنشأ الشابان موقع ثريدلس، وكانت الخطة تتمثل في أن يقدم الناس تصميمات لشيرتات جديدة، ثم بعدها يصوت المستخدمون على أفضل تي شيرت، والفائز يحصل على شيرتات مجانية تحمل تصميمه، وبدا أن الفكرة راقت الناس، فواصل جيك وجيكوب مسابقة تلو الأخرى، ليصبح الموقع يستقطب الزوار والموهوبين يوما بعد يوم، حتى ظهر لهما أنه ينبغي إنشاء شركة، وفعلا أسسا شركة ثريدلس لبيع شيرتات بتصاميم يختارها الجمهور بنفسه، دون استجلاب مصممين، أصبحت أرباح الشركة تتصاعد بوتيرة سريعة، حتى أصبحت الآن إحدى أعظم شركات الألبسة التي تنافس بقوة الشركات التقليدية التي توظف رسامين بأعداد هائلة وكفاءات عالية.

هذا الأمر يؤكد أن عقلية السرب يمكن أن يكون لها نتائج غير متوقعة في حالة استثمارها بشكل جيد، إذ بإمكان خطوات بسيطة يقوم بها أفراد السرب أن تؤدي في النهاية إلى عمل معقد وبالغ الجودة، ولعل البرامج المفتوحة المصدر أوضح مثال.
إن قدرة السرب المجمَّعة على معالجة المعلومات تفوق حاصل قدرات أفراده، ما يمكن من اتخاذ قرارات أكثر صوابا، إذ عادة ما نميل إلى أن الحشود المتحركة عديمة الذكاء، تختلف عن المجموعات المفكِّرة التي يكوِّنها البشر، لكن البشر في كثير من الأحيان يتصرفون مثل السرب، لا سيما أثناء عملية اتخاذ القرار الجماعي.
على سبيل المثال خلال الحملات الانتخابية، قد يظن البعض أن نخبة معينة قادرة على توجيه الجموع للتصويت لصالح جهة سياسية دون أخرى، إلا أن إيان كوزين وفريقه في جامعة برينستون يزعمون أن ذلك أمر مستبعَد؛ إذ أظهرت النماذج التي وضعوها لحشود الناخبين أن تأثير القلة، أيًّا كانت قوته، يصيبه الضعف، وهذا يعني أيضا حسب كوزين أن عقلية السرب قد تتخذ قرارات كارثية، إذا ما تضمن جمهورُ الناخبين عددًا كافيًا من الناخبين السُّذَّج والمقلدين، قائلا “يلعب الجهل دورًا محوريًّا في طريقة عمل الديموقراطية”.
تطبيقات الذكاء الجمعي الواعدة في حياة الإنسان
يسعى العلماء جاهدين لاكتشاف القواعد النظرية التي تحكم الذكاء الجمعي لدى الحيوانات والبكتيريا والحشرات، طمعا في استثمارها في الحياة البشرية للوصول إلى ذكاء يتجاوز الأفراد.
الذكاء الاصطناعي هو حلبة جد ملائمة لتجريب أنظمة التفكير الجمعي، حيث يتم ربط أجهزة استشعار متعددة المهام لتوليد نوع من التفكير الحاسوبي اعتمادا على المعلومات المتكاملة، ويمكن أيضا صناعة أسراب من الربوتات تتصرف اعتمادا على تضافر عملياتها الاستشعارية والحسابية.
من ناحية أخرى، ثمة العديد من التطبيقات المحتملة لتلك النتائج في مجال الطب أيضًا، ففي الواقع ربما يتضح أن الأنظمة التي تبدو معقَّدَة هي في حقيقتها تُظهِر سلوكًا بسيطًا يُشبِه سلوك السرب؛ مما يجعل فهمها ومعالجتها مهمةً أسهل. فمثلا يمكن برمجة الخلايا المسؤولة عن التئام الجروح بطريقة ما لتسريع عملية الالتئام.
والأكثر من ذلك أنه أصبح يتم تنفيذ مشاريع بحثية عملاقة، مثل تتبع أسراب الطيور والأسماك ومراقبة الأجرام، فقط بمساعدة الجمهور بفضل شبكة الإنترنت، الأمر الذي كان شبه مستحيل، حيث يتم تعهيد مهمات بحثية بسيطة كالمراقبة والرصد مثلا لمجموعات الهواة على الشبكة.

كما أصبح تعهيد الأعمال للجمهور عبر الإنترنت أمرا يزداد انتشاره يوما بعد يوم، بدءا من مواقع إنتاج الخدمات المفتوحة المصدر، والمنصات الاجتماعية، والشركات والمؤسسات التي تعتمد في إنجاز خدماتها واتخاذ قراراتها على الجهور.
لكن بالمقابل يتخوف بعض الخبراء من اتساع نطاق الاعتماد على الذكاء الجمعي، حيث يساهم في تسطيح تفكير الأفراد على مستوى واحد، وبالتالي نشر ثقافة الجودة المتوسطة وإهمال ثقافة الإبداع والتميز.
المصدر
ساسه بوست
