PropellerAds

الخميس، 3 ديسمبر 2015

الجيش والشرطة لا يجتمعان إلا في تحالف خاسر

في اعتقادي ثمّة سبب أوّلي يجعل كل ذي نظر  يقف ضد حركة انقلاب 3 يوليو ، والأحداث التي مثلت إرهاصًا له، وهو أنّ التحالف الذي تأسست عليه، ما يمكن تسميته بـ”كتلة الانقلاب”، تحالف يجاز وصفه بالغبي، كتوصيفٍ إجرائي، فبأي منطق فعلًا يجتمع العسكر مع الشرطة مع القضاء مع قوى وشخصيات مدنية في صفّ واحد؟، مفهوم أن ضم تحالف ما كلّا من الشرطة والقضاء، أو الاثنين مع قوى وشخصيات تقول إنها مدنية، باعتبارهم جميعًا تجلّ واضح لحالة شديدة العبثية حاول أن يكرس لها ابن المخلوع مبارك، وعصبته من حوله، وأحيانًا قوى ديموقراطية معارضة من ضمنها جماعة الإخوان، وقت أن كانوا يزعمون أنهم يناضلون لـ”استقلال القضاء”، بل وإشرافه على الانتخابات، حتى لو زورها كل مرة!
في رأيي، هناك بالفعل تضاربٌ حقيقي في المصلحة بين العسكر من جهة، وأطراف التحالف الأخرى من جهة ثانية، وعلى رأسهم الشرطة؛ ويرجع ذلك أساسًا لكون أطراف التحالف الأخرى بالأساس تمارس دور الطفيل الذي يتغذى على فتات الكائنات الحيّة المكتملة، عبر ممارستهم للأدوار والأعمال المشبوهة كسبيل أساسي لوجودهم، فهم لا يمتلكون اقتصاديات حقيقية يمكن أن يعوّل عليها لتمويلهم وقيامهم ككيانات بحد ذاتها، وذلك معكوس الأمر عند العسكر، الذين يمثلون “قبيلةً” قائمةً بذاتها، تتواجد داخل الدولة لكنّها في نفس الوقت منفصلة عنها، إلا بعض التماس في مصالح يمكن النظر إليها باعتبارها مشتركة، لكنّها، ولحدّ بعيد، لتغذية وتنمية “القبيلة” وتضخم وسائل إنتاجها، ومواردها المالية.. لكنّها تظل قائمة بذاتها وأموالها وجنودها العاملين بالسخرة في مقار إنتاجها وتدوير رأس مالها.
من جهةٍ أخرى فالشرطة –مثلًا- لا تمتلك وسائل إنتاجها الخاصة، ولا مواردها المالية “الجادة” الخاصة، وقائمة بالأساس على ما تنعم الدولة به عليها بشكل رسمي أو غير رسمي، فضلًا عن الأعمال المشبوهة الصغيرة، التي يقودها غالبًا ضباط شرطة على قوة العمل أو سابقين؛ كالقتل المأجور، وتجارة الجنس، والمخدرات، أو صفقات الرشاوي والاحتيال والنهب… إلخ، وينتهي نصيبهم بمبالغ لا يمكن القول بأنها ضخمة، الأمر المتناسب مع كونهم طفيليات بالفعل، ولعل خير مثال قضية الفساد المتهم بها “حبيب العادلي” وزير الداخلية في عهد المخلوع، والذي كان نصيبه فيها 4 مليون جنيه مصري فقط… وعلى نفس الشاكلة نجد القضاء المعتمد أساسًا على الرشاوي والمصالح بين الحين والآخر لصالح جهاتٍ سيادية، أو أشخاص متنفذين. وهي المصالح المتعلقة غالبًا بقضايا مشبوهة، كان للقضاة فيها الحاسمين، لكن لمن يدفع، ناهيك طبعًا عن التزوير في الانتخابات، والذي كان يقوده -بلا أدنى شك- القضاة، ولنا في انتخابات 2010خير مثال وذكرى لأولي الألباب.
في نفس انتخابات 2010، يظهر حقيقة الصراع الدائر بين ممثلي العسكر من جهة، ومن الجهة الأخرى ممثلي ابن مبارك وعصبته في السلطة، عندما كان الحزب الوطني يتقدم بمرشحين اثنين لكل مقعد في أغلب الدوائر، أحدهم من جناح العسكر، والآخر من جناح الشرطة ورجال الأعمال، وانتهى الأمر لأن ترجّح كفة جناح الشرطة ورجال الأعمال، أو كما يقال: “جناح جمال مبارك”. إذًا فالتحالفات مقسمة من البداية، والصراع دائر ولم تخمد نيرانه، خصوصًا مع أحداث ثورة 25 يناير، التي يرى الشرطة فيها أن العسكر باعوهم، وباعوا رجالاتهم في الدولة، فيما يرى البعض أنّ تحركًا مخابراتيًا عسكريًا وراء اندلاع أحداث 25 يناير، حتى خرج الأمر عن السيطرة بهبة شعبية حقيقية يوم 28 يناير.
المزج بين الشرطة ورجال الأعمال يبدو منطقيًا وسلسًا، فرجال الأعمال في تخليص مصالحهم المشوبة غالبًا بـ”تنطعات” واحتيالات، أو فساد على قدر ما؛ كانوا يعتمدون على رجال الشرطة المتمرسين في مثل هذه الأعمال المشبوهة ، فكان رجال الأعمال بهذا أحد أهم مصادر تمويل الجماعة الوظيفية المسماه بالشرطة.
وبالفعل فإن نموذج “الجماعة الوظيفية” الذي قال به العلامة المرحوم، دكتور “عبد الوهاب المسيري”، هو نموذج مثالي لفهم طبيعة دور الشرطة في مصر، باعتبارها جماعة منغلقة على نفسها، في الوقت الذي تقدم نفسها فيه باعتبارها التي يقوم أفرادها بتنفيذ الأعمال المنبوذة (لسبب أو لآخر)، في عقد ضمني يضمن بقاءها واستمرارها في المجتمع، مع الحفاظ على نظرة احتقار أصحاب الأعمال لهم، ونظرة احتقارهم لأنفسهم، مع تقبلهم لدورهم، وهم متأكدون أن غيرهم لن يقوم به، وهو الدور الذي يوفر لهم السلطة والحماية وحق التطاول على العامة، لتقاطعه مع الكبار في الدولة.. فالحقيقة أن رجال الشرطة لا يمثلون “الكبار”، لكنهم متعلقون بهم.
لذلك نرى أنّ التحالف بين العسكر والشرطة (كممثلة للطرف الثاني)، هو تحالف خاسر بالنسبة للعسكر، لأنّ ممارسات الشرطة غير محسوبة، والعقلية التي تسيّر تحركاتهم عقلية محدودة، يظهر في أكثر من موقف عدم قدرة القادة بينهم على تركيب جمل لغوية مفيدة. هم عاجزون حتى عن الكلام المفيد، فضلًا عن كونهم اعتماديين بالدرجة الأولى، وفي ظلّ دولة هي أقرب لكونها “خرابة”، على كافة المستويات وتحديدًا الاقتصادية، فالشرطة سترهق كاهل العسكر المضطر أن يصرف من جيبه، ليس فقط على الدولة في أحيانٍ كثيرة، ولكن أيضًا على الشرطة بوجه التحديد، وعلى القضاء الذي يرفض تطبيق الحد الأعلى للأجور على رجاله، رغم كونه الجهة المنوطة بتطبيق القانون!
وبالرجوع سريعًا لنقطة اضطرار الجيش أن يصرف من جيبه –أحيانًا- على الدولة، نذكّر بتقرير “رويترز” الذي أشار إلى أنّ العقل المدبر للانقلاب العسكري هو الأمن الوطني/أمن الدولة سابقًا، بمعنى آخر الجهة المسؤولة عن توريط البلاد بأكملها في انهيار على كافة المستويات، وتوريط العسكر في بحر دماء، ومستنقعٍ سياسي لن يخرج منه إلا بشقّ الأنفس، وضرائب سيدفعها رغمًا عنه.. والمدبر لهذه التحركات –والتي غالبًا ما توصف بأنها ضد مصلحتهم- هو واحد من أهم أجهزة الشرطة.. جهاز الأمن الوطني/ أمن الدولة سابقًا.
قد يفسّر لنا هذا، السر وراء الهجمة المباغتة ضد الداخلية وممارساتها القمعية والتعذيبية. الحملة التي تبناها كتّاب وإعلاميون محسوبون على الانقلاب.. لا يفرقون كثيرًا عن الشرطة وممارساتها المشبوهة.
أخيرًا.. لأجل ذلك أعتقد جازمًا أن تحالف الانقلاب، يعتبر الأكثر غباءً ضمن التحالفات التي عقدت في العالم خلال الـ15 عامًا الأخيرة، أي خلال ما شهدناه من القرن الـ21.